مجموعة مؤلفين
90
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
وإن قلنا : لا يلزم من هذا شيء إثبات العدد على وجه ما فثم ما هو علينا أشد من العدد وهو أن تكون الذات كاملة بغيرها ، وكل كامل بغيره ناقص بذاته ، ومن نفى أعيانها وفرض مثل هذين المقامين ، إما الكثر وإما النقص تلقاه أمرا آخر ، وهو أن الحكم لا يقدر من جهة الدليل الذي قد نصبتموه معرفة اللّه تعالى ، إن تبينت هذه الأحكام للذات مجردة ، فإنه إذا ثبت كونه قادرا لنفسه وقع الفعل أزلا عند المتكلم وهذا محال ، فإثباته قادرا لنفسه محال . ثم إن القلب لا يجد ذلك الجلاء بقياس الغائب على الشاهد ، ولا سيما وقد عرف مأخذ العقول من أين هو ، ومن أين تركب براهينها وأدلتها ، فالمقصود بها منوط ، والإقدام على هذه الأمور غير حسن ، وكل مالا يمكن حصوله إلا بالمشاهدة والرؤية والتعريف ، فحصوله من غير هذه الطرق افتراء على المقام وجرم ، فالأولى لأصحاب العقول الوقوف والإقرار بالوجود ، وأحكام الصفات ، ولا سبيل للتعرض لا لنفيها ولا لإثباتها ، فإن العقل أعجز من أن يقف على مثل هذا بل على أقل شيء ، انتهى . وقال في الباب السادس والخمسين من « الفتوحات المكية » ما هذا مختصره : الاستقراء لا يصح في العقائد ، فإن مبناها على الأدلة الواضحة ، فإنه لو استقرأنا كل من ظهرت منه صنعة لوجدناه جسما ، فنقول : إن العالم صنعة الحق وفعله ، وقد تتبعنا الصناع ، فلم نجد صانعا إلا ذا جسم ، والحق صانع فالحق ذو جسم - تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا - وتتبعنا الأدلة في المحدثات ، فما وجدنا عالما لنفسه ، وإنما الدليل يعطي ألّا يكون عالما إلا بصفة زائدة على ذاته تسمى علما ، وحكمها فيمن قامت به أن يكون عالما . وقد علمنا أن الحق عالم ، فلا بد أن يكون بعلم ، ويكون ذلك العلم صفة زائدة قامت بذاته - تعالى اللّه عمّا يقول المشبهة علوا كبيرا - بل هو سبحانه العالم ، الحي ،